27 نوفمبر 2009

يا بني إحنا عندنا ناس متسولين !


لأسباب شخصية، ربما، يبهرني الاعتراف البسيط بارتكاب الشر مع تسميته كذلك، اللجوء إلى سلوك مع وصفه بالانحطاط بلا مواربة. يبهرني أن غريزة ما تفصح عن نفسها بلا أي محاولة للتبرير في الوعي ولا أي محاولة للتحايل على اللغة المسكونة بالأخلاق. الغضب طاقة عظيمة تفجر الصراحة وتهدر اللياقة والمجاملة والتغاضي.
أعتقد أن كل هؤلاء - اللغة والأخلاق واللياقة والمجاملة والتغاضي- كادوا أن يوقفوا الشاب الجزائري صاحب الفيديو الشهير عندما وصل إلى نقطة مهمة : "دلوقتي مع وصول التذكرة إلى 5000 دينار جزائري، اللي راح يروح السودان دول ...". يتوجب عليه هنا أن يصف وصفا غاضبا مخيفا وملوحا بالشر والانحطاط المرعب، هو لن يتراجع ولكنه تخفيفا سيعتذر عن تخليه عن التغاضي عما يعتقده من انحطاط بعض أشقائه:" يعني إخواتي الجزائريين ما يتضايقوش من هذه النقطة .. راح يروح حثالة المجتمع ! اللي ما يشتغلش، اللي أمه مش هاتبكي عليه!".
كان هذا الفيديو بالطبع قبل المباراة الفاصلة في السودان. التي أخذ "المصريون" فيها على حين غرة، في كرة القدم وفي الانحطاط. أعرب الكثيرون من المصريين على شاشات الفضائيات وفي الصحف عن أسفهم من أننا لم نتمكن من حشد انحطاطنا المقابل، "لم نحشد أبناء إمبابة وبولاق وشبرا"، "أرسلنا جمهورا مهذبا وطريا".
الشاب المصري الذي رد عليه أكد أن "حثالتهم" ليسوا شيئا مقارنة بـ"حثالتنا" ويبدو أن أمر الخمسة آلاف دينار جزائري قد استفزه فقال: "يابني إحنا عندنا ناس متسولين!". ربما يقصد لدينا مستوى خاص من الانحطاط - بحسب نفس التصنيف الطبقي الذي اعتمده الجزائري - لا يملك حتى هذه الدنانير. ولكن المشكلة أن الحكومة المصرية لم تدعم الانحطاط - ويلومها الكثيرون الآن بوضوح على ذلك- ولذلك لم يتمكن "المتسولون" من الذهاب إلى الخرطوم لمواجهة أقرانهم.
لا يبدو لي هذا التفسير كافيا. نحتاج الآن للتسليم أن "حثالتهم" أكثر انحطاطا وشراسة من "متسولينا" الذين لم يتمكنوا هنا سوى من كسر زجاج سيارة المنتخب الجزائري، وحتى هذه الواقعة مشكوك في أمرها. ولكن الواضح وضوح الشمس أن طاقة الغضب التي فجرت طاقات النخب الإعلامية والفنية والثقافية في الجانبين قد أظهرت بما لا يدع مجالا للشك أن "حثالتنا" الحقيقة هي التي تتقاضى عشرات ومئات الآلاف والملايين لكي تعبّر.
لقد كان الإعلام المصري دائما رائدا، في كل العصور والاستعمالات والأغراض. وعندما حان الوقت ظل أيضا رائدا ومبهرا، على الأقل بالنسبة لي، في اللجوء لصراحة الغضب التي تطفح بما في القلب بلا لياقة أو مجاملة أوتغاض، في "تسوله" المزيد والمزيد من الطاقة المبهرة للغضب من "الحثالة التقليدية" التي لا دنانير لديها لتذهب ولا منابر لديها لتعبّر، في تعبيره بدلا منهم وباسمهم عن الأسف لعدم التمكن من اللجوء للشر مع تسميته بذلك، واستبداله بالانحطاط مع وصفه بذلك،.
"إحنا عندنا فعلا ناس متسولين!"



الصورة لعمرو أديب ومصدرها منتدى "المصريون الآن".
الفيديو من موقع المصري اليوم من إخراج بسام مرتضى

10 نوفمبر 2009

حمولة زائدة

قبل أسبوع تقريبا في طرقة قسم الفلسفة بجامعة القاهرة وجدت إعلانا عن منح بحثية في سلوفاكيا. وقفت أقرأ الإعلان، عقلي يحدثني بأنها ليست الفرصة ولا هي اللحظة، لكن مشاعري تتمنى أن أجد في فقرة ما قرارا بترحيلي قسرا من هذه المدينة.
أنا لا أعلم ما الذي قد يكون جديدا وقبيحا - زيادة - حدث الأسابيع الماضية، ولا يمكن لأحد أن يؤكد أن شيئا ما بعينه حدث، ولكن بالتأكيد هناك شيء ما. لا يمكن أن يكون بلا سبب أن يحدثني كل من أحب عشرتهم عن تفكيرهم في الهجرة وبسرعة لأن المكان لم يعد يطاق، إما بجد أو بسخرية مريرة. والبعض الآخر يخبرني من تلقاء نفسه أنه سيحتمل هذه المدينة رغم كل هذا القرف، وكأن فكرة الابتعاد قد تم طرحها مؤخرا كاستفتاء عام.
هل لذلك علاقة بأن القاهرة هذه الأسابيع بدت وكأنها ديكور مقهى شعبي يشهد تصوير مشهد مبتذل في فيلم عربي قديم، يتشاجر اثنان لسبب تافه فيهب كل اثنين ويمسكان بخناق بعضهما ولو كانا جالسين على طاولة وحدة يتبادلان الحديث الودي قبل ثوان. أحمد شوبير ومرتضى منصور، بلال فضل وفاطمة ناعوت، مدحت شلبي وعلاء صادق، مهدي عاكف ومكتب الإرشاد، الجبهات المتناحرة داخل 6 إبريل - لم أستطع إلى الآن تمييز جانبين بوضوح- رفعت السعيد وأبو العز الحريري، الناشرون والكتاب الشبان. والشابان الذين خلع كل منهما قميصه وغرس أظافره في وجه الآخر وتبادلا السباب بالآباء وأعضاء الأمهات والدين والملة وخدش صدريهما بالآلات الحادة والقذف بالحجارة من مسافة قريبة جدا أو تفتيتها بحقد على الرأس قبل أن يهدهما التعب فينطرحا على الرصيف جبنا إلى جنب للحظات ثم يرتدي كلا منهما قميصه ويمضي وهو يترنح ويتحسس جروحه ويرفع وجهه إلى السماء ألما ويغلق عينيه ويطلق سبابا مركبا يجمع عضو الأم ووصفها بالعاهرة مع سب دينها.
غيظ مكبوت وعنف بلا طائل، مساحات ضيفة ونفوس ضائقة، فظاظة في اللفظ والإيماءة، سوء ظن وانتهاك نظر، قبح منظر وعفن رائحة، إذعان بلا رضا وتسلط بلا ثقة و كبر بلا كبرياء، تجمع بلا اجتماع وافتراق لا يصنع فارقا. اعتياد على القذارة والدناءة والإساءة، أصوات نافرة ومتنافرة وخرائب متناثرة وسافرة، كلام بلا تواصل وسعي بلا وصول، أكوام بلا تراكم وأعداد بلا نظام، زحام بلا حشود وأعداء لا يعرفون بعضهم إلا ساعة مواجهة تبدأ بلا داع وتنتهي بلا معنى.
عندما وقفت مرة أخرى بعد أيام أمام لوحة الإعلانات في نفس الطرقة كان موعد التقدم لنيل المنحة السلوفاكية قد فات. اختفى إعلانها وحل مكانه إعلان منحة أخرى لهونج كونج. وأنا لن أذهب إلى هونج كونج.

31 أكتوبر 2009

تحت السلم


أحاول ألا أعتاد ذلك المنظر اليومي، مدخل حجرة بواب العمارة الذي يضطره عند دخوله إلى الانحناء.
هذا ليس منظرا استثنائيا لمن يعرف تصميمات العمارات القاهرية الجديدة، حتى الفاخر منها. ولكنه فقط مجرد تجسد ظاهر للحالة غير الآدمية التي تردى إليها "الحد الأدنى" الذي يستحقه هؤلاء الذين يقبعون في أدنى سلم العرض والطلب.
حاولت بهذا التقرير ألا أنسى، وأن أسجل أن الغرفة الواحدة الضيقة فوق سطح العمارة التي تجمع أسرة البواب، قد أصبحت في العمارات القديمة في وسط البلد سكن بعض شباب المثقفين والفنانين أو الطلاب القادمين للدراسة من المحافظات الأخرى للدراسة في الجامعة. أما الحد الأدنى فقد تحول إلى جحر حقير تحت سلم. صاحبة العمارة التي أسكنها لا تفوت أي مناسبة تمكنها من تذكير الجميع أنها تضحي بهذا الجحر من أجل البواب. من المؤسف - بالنسبة لأصحاب العقارات- أنه لا يمكن ترك البواب وأسرته ينامون في الشارع. النوم في الشارع فقط هو ما يتجاوز "الحد الأدنى" إلى حد غير مقبول. ولكن مساحات الجحور جعلت البوابين وأسراتهم يعيشون فعليا في الشارع.
أثناء إعداد التقرير، انحنيت للمرة الأولى ودخلت أكثر من جحر، بعد أن وصل حواري مع أحد البوابين إلى درجة ودية تسمح أن أطلب ذلك دون أن يسبب له ذلك حرجا، وبعد أن علمت أن زوجته وأولاده بالخارج. وأثناء إعداده أيضا كدت أشتبك بالأيدي مع مجموعة بوابين. طلب أحدهم مني إبراز كارنيه الصحافة، فحاولت أن أجيب بود أنني أكتب لجريدة جديدة- كان ذلك قبل بدء صدور "الشروق"- وأنني لا أطلب منه غير أن نتحدث لدقائق إن كان يريد، ومازحته بأنه هو نفسه لا يملك كارنيه بواب! ولكنه كان عصبيا ومتشنجا وأمسك بتلابيبي وصرخ: "إنت مين إنت؟ وعاوز إيه؟" وصاح مناديا زملائه وكأنه أمسك لتوه جاسوسا.
فشل الود فعدت بسرعة إلى شرنقة "وضعي الاجتماعي" ونهرته بقوة وبعض التعالي - للأسف- وأظهرت له بطاقتي المدون فيها أنني مهندس، موضحا أنني أحاول أن أكتب لجريدة جديدة عن أحوالهم و"حقوقهم"، وكأن نصا مكتوبا للمشهد يدفعني لأن أقول "التي لا تستحقونها يا غجر!" ولكن لم أقل ذلك. كان ذلك التوضيح فيما يبدو بالغ التأثير لأنه سارع بالابتعاد عني خطوة وكذلك فعل زملاؤه الذين تجمعوا. اندهشت أن تشنجه وانفعاله اتخذا مسارات أخرى فكادت الدموع تطفر من عينه وهو يقول: "معلش يا بيه. إحنا يا ما بنشوف. إحنا تعبانين والله". وانحنى قليلا وهو يكرر اعتذاره: "حقك على راسي يا بيه".


الصورة لـ محمد الميموني

19 أكتوبر 2009

إنت بتقول إيه ؟


دعوة مررها صديق إلى بريدي الإلكتروني عن ندوة مع أكاديمي عن "الهجرة الداخلية في مصر" ينظمها السيداج في المركز الثقافي الفرنسي بالمنيرة. كمواطن نابه وصحفي ثمين الوقت أحيانا أتصل لأتأكد من موعد الفاعليات. أكثر الأشياء التي أكرهها هي أن أتكبد عناء الرحلة عبر هذه المدينة القاهرة لأجد الموعد قد تأجل أو تم إلغاؤه.
تليفون المركز الثقافي الفرنسي يقودك لتضغط العديد من الأرقام لكي تصل إلى بغيتك، أسلوب لطيف لحفظ وقت المواطنين والموظفين. خضت الرحلة في أكثر من مسار ولم يرد أحد إلا عندما أخذت مسار طلب التعرف على نبذة عن البرنامج الثقافي. رد على أحدهم ....
- مافيش ندوة يا أستاذ
- الندوة اللي منظمها السيداج ؟
-آه، دي في مقر السيداج يا أستاذ
- متأكد
- أيوه، في مقر السيداج اللي في وسط البلد
- آه، أعرفه. شكرا، كويس إن أنا أتصلت اتأكد، في الدعوة مكتوب أنه عندكم.
- أي خدمة
أمام مقر السيداج في السادسة إلا خمس دقائق، موظف يجلس خلف زجاج يبدو عليه نوع من القوة توهمك أن صوتك لا يصل ولكن هناك فتحة ما.
- مافيش ندوة يا أستاذ
- إزاي؟ ندوة الهجرة الداخلية ؟
- مافيش أي ندوات النهاردة.
- السيداج هو اللي منظمها.
- آه، صح فيه ندوة النهاردة. لكن تقريبا في فندق مش هنا.
- فندق إيه؟
- ما أعرفش
- طيب عاوز أكلم حد يعرف.
- مافيش حد هنا. كلهم مشيوا.
- مين المسئول عن تنظيم الندوات دي؟
- نقريبا راحوا هم كمان الفندق
- فندق إيه؟
- اللي فيه الندوة
- طيب ما عندهمش تليفونات ؟
- .... ( يهز رأسه نفيا ببلاهة وهو يتفحصني بعينيه وكأنه يختبر نفسه كممثل)
- طيب، أنا هاتصل بحد يعرف
أرفع الموبايل وأتصل بصديقي الذي مرر إليّ الدعوة.أعتقد أنه يعرف أحدا هنا، صديقي لا يرد، يبدو أن مشغول. ولكن قبل أن أغلق الخط يائسا كان الموظف قد ظهر عليه القلق، وربما خاف أن أتصل بشخص يمكن أن يكون من رؤسائه، فرفع سماعة تليفونه.
- ثانية واحدة يا أستاذ
- نعم
-هاكلم السكرتيرة وهي تقول لنا الندوة فين
- ... !؟
لم يستغرق ذلك عشرين ثانية
- بتقول الندوة في المركز الفرنسي في المنيرة
- سألت هناك قالوا هنا !
يعود إليها ويخبرها، فأسمع صراخها في التليفون: الندوة في المركز ومكتوب في الدعوة إنها في المركز !
- في المركز يا أستاذ في المركز
- طيب ممكن نمرة المركز أتأكد (اتصلت أول مرة من المنزل)
يهز رأسه ثانية ويقول ببطء
- مش عندي
-...... ( أحدق فيه لثلاث ثوان)

- طيب ثانية واحدة أشوفه
يخرج دفتر ضخم يقلب فيه ويخبرني بالرقم. أسجله على هاتفي وأشكره في اقتضاب وأنا أبتعد.

أطلب المركز وأنا أحاول إيقاف تاكسي يأخذني إلى المنيرة حيث المركز
- المنيرة يا أسطى ؟
- فين في المنيرة؟
- شارع علي يوسف
- لا ، ما أعرفوش

وينطلق مسرعا !
واحد آخر ...
- المنيرة ؟
- فين ؟
- على يوسف
- تعالى
أركب وأنا أسأله :
- إنت تعرف مين على يوسف ده ؟
ينظر إلىّ ويضحك ...
- لا والله ، أعرف مكانه بس.

أواصل الضغط على الأرقام لأصل إلى "نبذة عن البرنامج الثقافي"، يرد واحد، لا أدري هل هو نفسه أم غيره، ولكن لا وقت لذلك ...
- مافيش ندوة يا أستاذ

- ندوة السيداج ؟
- في مقر السيداج يا أستاذ
- أنا لسه جاي من هناك، وبيقولوا إنه في المركز الفرنسي في المنيرة
- لا يا أستاذ، مافيش ندوة هنا

- إنت متأكد
- أيوه
-طيب أنا جاي لك !
- ..... ؟
- سلام
السائق: أكمل على المنيرة ولا إيه ؟
- أيوه
- لا إله إلا الله !

أمام بوابة الفرنسي أسأل رجل الأمن عن الندوة...
- الندوة بدأت من نص ساعة يا أستاذ
- متشكر جدا! هو مين بيرد عندكم على التليفون ؟
- (مستغربا وممتعضا) مش عارف
- طيب، هي فين الندوة ؟
يشير بيده : أول باب على الشمال.
عشرة أشخاص متناثرين في القاعة الواسعة، والأكاديمي فوق المسرح يتحدث بلهجة ريفية عن معدلات الهجرة الداخلية إلى القاهرة وخطورة ذلك ومحاولات الدولة للحد منه. يرص أرقاما وبيانات ورسومات وإحصاءات. بعد إنتهاء فقرة الأرقام، يسأله الحضور استفسارات معظمها يتعلق بعلاقة الأرقام بظواهر اجتماعية فيجيب بترديد الأرقام مرة أخرى - أو أنني لاحظت ذلك عمدا لأني متحامل. يسأله رجل يعرف نفسه بأنه سوري، لكنته فرنسية وتبدو عليه الهيبة: لماذا يستمر معدل تحول الريف إلى حضر في مصر- كما قلت- بينما توقف ذلك في معظم الدول العربية بعد عقود تحديث من أجل الحفاظ على المساحة الزراعية ؟
يصمت الدكتور لعدة ثوان وينظر إلى السوري ...
-معلش، ممكن السؤال تاني ؟
- سؤالي واضح ..
ويعيد السؤال. يصمت الدكتور وينظر هذه المرة للسقف وملامحه تتقلص ..
- أيوه، معدل الهجرة الداخلية إلى الحضر يؤثر على المساحة الزراعية.

بعد الندوة أذهب إلى الدكتور زاهدا في أي سؤال، أعرفه بنفسي وأنني صحفي وأكتفي بطلب البيانات والأرقام التي سردها في سرعة، فينظر إليّ بريبة ويعاملني كمندوب مبيعات ...
- خلينا على اتصال
- طيب ممكن رقم تليفونك؟
- ممكن تعدي عليّ بكره في الجامعة وتاخد البيانات من على الكمبيوتر
لم يكن قد أغلق الكمبيوتر أمامه بعد ...
- أنا معايا فلاش ميموري وممكن آخدها دلوقتي
ينظر إليّ مرة أخرى بريبة عظيمة
- لا عديّ علي بكره في الجامعة أنا عندي ورق مطبوع
(اللهم طوّلك يا روح)
-ممكن أعدي على الساعة كام؟
- أي وقت بعد الساعة 12 ظهرا
- تمام، لحد كام ؟
- ما تتأخرش عن الساعة 2 لأن عندي سيمينار

-طيب كويس الساعة 1 ؟
- مممم، مش عارف والله احتمال آجي على السيمنار الساعة 2 على طول
- .... ؟!
-.... !
- طيب ممكن رقم تليفونك علشان لو حبيت أستفسر عن رقم معين ؟
ينظر إليّ نفس النظرة ...
- الشريحة بايظة من يومين، ومش شايل موبايل
- ..... !
- ..... !
- طيب، سلام عليكم
- وعليكم السلام
- أنا متشكر جدا
- ..... !

يلقي إليّ بنظرة أخيرة وهو يلتفت إلى بعض الفتيات اللاتي يبدو عليهن أنهن تلميذاته، وأنا أبتعد أسمعه يسألهن: هو الراجل السوري كان عاوز يقول إيه ؟




- أعتذر لميريام فارس عن إقحامها في هذه المسائل الشخصية.

17 أكتوبر 2009

البحث عن مكان للمعنى


أنا أعتبر نفسي صحفيا محظوظا بقدر كبير، فالذين التقيهم دائما أثناء انتقالي من مكان إلى آخر في عالم الصحافة هم أشخاص استثنائيين. يساعدني في ذلك أنني لم أتنقل كثيرا في الحقيقة لأن وجود استثنائيين - بالمعنى الإيجابي- في وسط تسيطر عليه الرداءة الاستثنائية - واسألوا ميزو!- هو ما لا يمكنني تفسيره بأقل من عناية إلهية.
إحدى آيات ذلك أن كان أول من التقيت هو الأستاذ أسامة عفيفي، الذي أعتقد أنه لا يوجد كثيرون مثله لديهم ما يقولونه فيما يخص "فن الصحافة". ولذلك أجد - كلما تنقلت- شبابا وكهولا يخبرونني أنهم تلاميذ "الأستاذ أسامة" ويذكرونه بالخير، في الوقت الذي أتفرج فيه دائما على نماذج متوافرة من آخرين يتطاولون في الأعمدة على حواف الصفحات بينما هم خارج الورق يتوجسون ممن تبدو عليهم أمارات الموهبة ويحاولون بكل ما أوتوا من "فن السخافة" أن يحافظوا على مكانهم بإبقاء المساحة المحيطة بهم مستنقعا خالصا إلا من كل ما هو ضحل ولزج.
لذلك كان أيضا من حسن حظي عندما توجهت إلى "البديل" قبل عامين أن عرفني صديق إلى د.محمد السيد سعيد، أثناء رئاسته للتحرير، وكانت أول معرفتي الشخصية به، وكان أول معرفتي بـ"البديل"- رحمهما الله.
كنت أسمع من الأصدقاء الباحثين والحقوقيين عن دماثة "الدكتور محمد" التي لا ينافسها إلا مكانته كمفكر وباحث وكاتب، ولذلك توقعت ما لقيت من الترحيب والإنصات إلى أفكاري واقتراحاتي ولكن لم أتوقع منه، وهو يعتذر لي لأن المزيد من المكاتب ستتوفر قريبا في غرف أخرى، أن يخبرني في أريحية وبساطة أنه يمكنني أن أقوم بعملي من خلال غرفته نفسها، وحتى وصلة الإنترنت يمكن أن نتبادلها وقت الحاجة !
كان ذلك ملهما جدا والمرء يبدأ عمله متحمسا في جريدة يسارية تريد أن تقدم بديلا. وظللت قرابة أسبوعين تقريبا أجلس يوميا معه في مكتبه، ظن البعض ممن لا يعرفني أنني من قيادات الجريدة، وقبيل انتقالي السريع من الجريدة - قبل توقفها بفترة- علمت أنني كنت محسوبا على "الإدارة" بعد أن اشتعلت في "البديل" الحرب الصامتة بين الشلل المختلفة وتردت العلاقة بين الإدارة والتحرير وصولا إلى أزمة توقف الجريدة. وذلك كان جانبا واحدا من الهوة بين القيم التي كان من المفترض أن تقوم عليها التجربة وهي قيم حملها قسم من قادة التجربة بالفعل وبين ما انتهت إليه هذه التجربة. والجوانب الأخرى من الهوة أجدها في الكلام الذي يتردد دائما في الجلسات الخاصة لكن عند الكتابة والخطابة - للتاريخ والجمهور- تجد التجربة قد تحولت إلى كلمات زاهية وناصعة، وعداها العيب إلى التاريخ والزمن الرديء الذي لا مكان فيه لجريدة محترمة أو الجمهور الذي افتقد حس المقاومة فلم يدعم التجربة.
مع النسيان ولدواعي الاستعمال، تتحول التجارب - صحف، تجمعات سياسية، منظمات- إلى أوسمة على صدور شهدائها، وبعضهم يحتاجون ذلك بشدة، ولكني لا أظن أن د. محمد في حاجة لذلك. فلا يضيره أن نتحدث عن أن أسباب بنيوية داخل "البديل" التي رأس تحريرها أو "كفاية" التي كان من أبرز أعضاء لجنتها التنسيقية، كانت سبب انهيار هذه التجارب. فهو دائما كان ممن لا يخجلون من نقد مكانه السابق وتجاربه السابقة بعد أن يلزم نفسه بالمخاطرة وارتياد الأماكن الجديدة بدلا من الارتكان إلى أماكن دافئة يبررها بعض أقرانه بأنهم باحثون ومفكرون لا ناشطون أو صحفيون.
بدا لي دائما أن محمد السيد سعيد وعبد الوهاب المسيري يمثلان نموذجا واحدا رغم اختلافهما الفكري، فكلاهما كان يضع نفسه في مكان خارج التصنيفات السائدة، ولكنهما كانا متجاوزين لحالة آخرين يسمون أنفسهم كذلك لكي يكتفوا بالمراقبة ويبتعدوا عن أي التزام أوجهد أو تجمع، وفي الوقت نفسه لا يقدمون جديدا ولا أصيلا على مستوى الفكر. فالراحلان كانا من الأنشط في مجال التعامل النقدي مع الأفكار وفي الوقت نفسه الأكثر التزاما وجهدا وأكثر ميلا للحركة مع جماعة لكي تجد الفكرة مكانا لها على الأرض.
ارتبط باسم د.محمد السيد سعيد بوصف "يساري بين الليبراليين، ليبرالي بين اليساريين" إلا أنه بوضوح كان يساريا نقديا، ناقدا لليسار نفسه في المقام الأول، لكنه لم يتراجع عن خوض مغامرة تأسيس أول جريدة يسارية يومية. لا أعتقد أنه من السهل القول أن وجوده على رأس التجربة لم يكن موفقا لأنه كان مفكرا وباحثا أكثر منه صحفيا أو إداريا، ولا يمكنني الدفاع عن العكس. ما تركه محمد السيد سعيد من جهد فكري وبحثي ومكانه في قلوب أقرانه وتلاميذه وأبناء جيله وما بعده يكفي وزيادة لحفظ مكانه ومكانته، وما يمكن أن يكون مزعجا بشأن ذلك هو أن المزيد من الاستثنائيين يجربون ويرحلون وتخلد ذكراهم ولكن قبل رحليهم تنتهي أو تتجمد التجارب الجماعية وهي التي تنفع عموم الناس أكثر وتمكث في الأرض.
خرجت من عزاء الدكتور محمد في مسجد عمر مكرم الأربعاء الماضي بعد ما بدأت القاعة تزدحم وبدأ المرور يتعطل قليلا، ربما بسبب الوجود الكثيف للأمن ترقبا لوصول شخصيات هامة وفقا لتخمين سائق التاكسي الذي ركبته. سألني السائق: عزاء من؟ أجبته. فاستفسر: وماذا كان يعمل؟ وأنا أجيبه كنت زاهدا في بعض التفاصيل التي أعتقد أنها لا تعنيه- وإن كانت تعنيني جدا وكل مهتم بالسياسة والفكر السياسي - ولكني فكرت أنه لو كانت "البديل" - أو أي تجربة أخرى - نجحت في أن تبقى حية وارتبطت ببعض من قامت لتعبر عنهم كنت سأجيبه بحماس بوصف واحد سيعني له شيئا.

23 أغسطس 2009

أن تكون فردا .. لكن ليس وحيدا



كبرق خاطف مرت "قضية هبة نجيب". الدهشة شملت الجميع: هؤلاء الذين تعجبوا مما فعلت واستنكروه، وأولئك الذين انبهروا بشجاعتها وساندوها.
ولكن الأكثر إدهاشا في رأيي، وما لا أود أن ينقضي أثر دهشته سريعا كالبرق بل أتمنى أن يظل كضوء مزعج مسلّط على الأعين المحدقة المستنكرة، هو تحديدا ما لخصته هبة في عنوان ما كتبته على مدونتها: "لماذا أريد العودة .. ببساطة لأنني أريد".

العنوان يحمل رسالة واضحة وقاطعة وجذرية لا تتوسل بظروف استثنائية سيئة ، بل تطلب الانحياز غير المشروط وهي تعلن أن هناك "فردا" يتمسك بفرديته التي تعلو على كل اعتبار آخر ويطالب بالتضامن معه في أن يحرر تلك الفردية ويحرر اختيارها باعتبارها شرطا أول للحياة غير قابل للتفاوض ولا يحتاج لمبرر .
مضمون الرسالة كان سبب الانقسام السريع بين أولئك الذين انحازوا لهبة وإعلانها عن نفسها كـ "فرد" وحقها في أن تكون كذلك، وبين هؤلاء الذين فكروا فيها كـ"ابنة" يجب أن نسمع رأي أبيها، أو فكروا فيها كـ"أنثى" يجب أن نتوجس من استقلالها بحياتها أو يجب أن نقلق عليها بأبوية ، أو ربما فكروا فيها كـ"مظلومة عادية" - مثلهم- تساءلوا مستنكرين لماذا تتذمرعلنا بينما يعانون هم ويعاني آخرون من مظالم أخرى- أشنع ربما- بينما تتمتع هي بحرية الحركة لكي تطالب بحقها أمام جهات مختلفة وبحرية الاتصال بالإنترنت لكي تطلب التضامن معها.

الأمر لا يتعلق بأن هؤلاء يدركون حقيقة ما لم يدركها أولئك، أو العكس، فالإنسان يوجد فردا كما يوجد ابنا وأخا وقاطنا بمنطقة ما محكوما بقوانينها وظروفها. ولكن يبدو لي أن الأمر متعلق بـ"الخيال". يمكن للإنسان أن يتخيل لنفسه أوصافا وأماكنا ومهاما أخرى، عقيدة أخرى وتدينا آخر، أهلا وأصدقاء آخرين، إلا كونه فردا وذاتا عاقلة مريدة. "الإرادة" ركن آخر، أن يتخيل الإنسان مصيرا لنفسه وهوية يختارها ثم يريدها ويتشبث بها. أولئك الذين انحازوا لحقها سريعا إنما انحازوا لأنفسهم ولحقهم في الفردية والخيال والإرادة على خلاف الواقع والمتاح الضيق. انحازوا لحق الصوت الواحد المنفرد أن يكون ما يريد، بينما انشغل الآخرون بتخيل حق الأصوات الأخرى في تقرير مصيرها.

الانحياز إلى "الفردية" والحق في الخيال وحرية الإرادة، لا علاقة له بإيمان مسبق بالمنظومة العالمية لحقوق الإنسان أو قيم الحداثة. بل على العكس، تثبت مثل هذه المواقف أن خيال وإرادة الأفراد والجماعات وخوضها الشجاع لمعارك من هذا النوع هو الذي يفتح الباب - إن كان هناك آخرون مستعدون لتكرار المعركة - لكي يتم إقرار الحقوق وكتابتها وتثبيتها بعد جدل وصراع وتفاوض اجتماعي. أو ليتم تفعيل الحقوق المجمدة والمسطورة نصا في الدساتير والقوانين بينما الكل مستعد لتجاهلها.

محاكمات قضايا التعذيب نشطت بعد شجاعة عماد الكبير في أن يعلن أنه تم انتهاك حقه كمتهم وتم الاعتداء عليه جنسيا وأنه يطالب بعقاب من انتهك حقه. ليخرج حق المتهم المجمد من أسر نظرة المجتمع التي تتغاضى عن كل الانتهاكات بحق "الأوباش المسجلين خطر" الذين يجب أن يعاملوا بقسوة لكي يرتدعوا. تشبث عماد الكبير بفكرة أرادها: "أنه فرد له حقوق حتى لو كان مجرما مدانا"، وكان ذلك خيالا وإرادة أخرجا القواعد القانونية المجمدة إلى العمل.

قضايا التحرش الجنسي، احتاجت لشجاعة نهى رشدي لكي تخرج من أسر نظرة المجتمع التي تدفع الفتاة لأن تخجل من نفسها لو تم التحرش بها. خيال وإرادة نهى دفعاها لكي تتجاهل السيناريوهات النمطية لمثل هذه المواقف وتتشبث بفكرة أن تسوق من تحرش بها إلى الشرطة لتضع النظام القانوني في موقف يبحث فيه عن نصوص تصلح لمحاكمة هذه الجريمة بينما لا ينص إلا على عقوبات لهتك العرض.

الحقوق والقوانين "الحية الفاعلة" ليست تلك التي يتم الاتفاق عليها في قاعات كليات الحقوق أو يقترحها المفكرون في مقالات، بل التي يخوض من أجلها الأفراد والجماعات الصراع والجدل بخيال وإرادة لتجاوز الواقع إلى غيره.

حالات عماد الكبير ونهى رشدي وهبة نجيب، كانت مشكلة فرد، وكان ممكنا أن يتحول كل منهم إلى "حالة متشابهة" وسط حالات: متهم يتم تعذيبه فيسكت، فتاة يتم التحرش بها فتسكت، فتاة تكره على اختيار مكان لحياتها لا تريده فتتكيف. ولكن كل منهم آمن بفرديته وحقه في أن يريد شيئا آخر. وبالإضافة إلى ذلك هذه الفردية التي جعلت من نفسها قضية عامة وخرجت إلى ساحة الجدل في المجتمع، لم تكن فردية وحيدة، بل كانت وسط جماعة وبعد معركتها فتحت الطريق إلى آخرين يريدون أن يسلكوا نفس الطريق.

من حسن حظنا أننا أبناء هذه اللحظة في التاريخ، حيث يتيح التواصل السهل للفرد أن يجد مساحات واسعة أمامه لكي يعمل خياله ويختار أن يكون شيئا آخر غير الذي يفرضه عليه المكان والأهل والمحيط الاجتماعي، بل ويختار أن يكون مع هؤلاء الأفراد أو هذه الجماعة أو تلك ويرتبط معهم بصلات مختلفة أو يطلب مساعدتهم ومساندتهم. عماد الكبير خاض معركته وسط قانويين وصحفيين ومدونين. ونهى رشدي كانت محور تضامن نساء لم يعرفنها ولا سمعن عنها قبلا ولكن فقط لأنها عبرت عنهن. والمتضامنون مع هبة نجيب إما كانوا من عرفوها من مدونتها أو من عرفوها على البعد وتواصلوا معها تضامنا مع حقها، بينما لم تلتق بمعظمهم وربما لن تلتقي.

هذه اللحظة مناسبة جدا لأن نسخر من هؤلاء الذي صدعونا بتأثير وسائل الاتصال الحديثة على التواصل والاجتماع الإنساني الحميم. في الواقع لم تفعل وسائل الاتصال هذه، على رٍأسها الانترنت بالطبع، إلا إنها أتاحت مساحات بديلة للأفراد لكي يجدوا فيها أقرانا لهم وروابط اجتماعية وجماعات اهتمام غير التي كانت متاحة وفق الظروف والإمكانات المحدودة. لا تؤثر هذه المساحات الجديدة إلا على الروابط الاجتماعية الهشة التي لا سند لها إلا الادعاء أو الإكراه. فبديلها يصبح بمرور الوقت أقوى وأقرب: أن تكون فردا ولكن ليس وحيدا.


نشر في "ولاد البلد".
اللوحة لهنري ماتيس.

16 أغسطس 2009

عشر ملاحظات وتحية


يوم 2 أغسطس بدأ المتضامنون مع حق هبة نجيب في العودة إلى مصر الكتابة على مدوناتهم بعد أن أنشأت بنفسها مجموعة على الفيس بوك، وفي يوم 9 أغسطس كانت هبة نجيب في مطار القاهرة.

قد يوحي ذلك أن المشكلة كانت بسيطة، أو أن حملة التضامن صادفت قرب انتهاء المشكلة وحلها على مسار آحر، ولكن لا شاهدا أفضل من هبة لينفي ذلك وليقول لنا أن التضامن معها بالفعل قلب المعادلة وأنهى أزمة 3 سنوات في أسبوع.
الصورة الأكثر دقة- كما يبدو لي- أن محاولات هبة المتواصلة وتمسكها الشديد والمدهش بحقها هو العامل الأساسي الذي أتاح أن تنتقل حملة تضامن من خانة أضعف الإيمان لتكون عاملا مساعدا في تغيير فعلي على الأرض.
هذه الصورة تدفعنا لألا نبالغ في قدرات وإمكانات حملات التضامن على الإنترنت أو في الإعلام، ولكنها تدفعنا أيضا لأن نعرف أنها ليست بلا تأثير، والتفاصيل قد تكون فيها ملاحظات جديرة بالتأمل لكل من يهتم بالإنترنت كمساحة للنشاط والتضامن والتشبيك بين المهتمين بمناصرة قضايا أو قيم مشتركة.

أولى هذه الملاحظات أن السعي على الأرض في مسارات مختلفة للمطالبة بالحق أو الاعتراض على مظلمة كان ضروريا لتحديد وجهة الحملة الإعلامية، التي لم تخرج كنداء في البرية بل حملت مطلبا محددا موجها إلى جهة محددة: حق مواطنة مصرية في العودة لبلدها ومسئولية الخارجية المصرية عن ذلك، بالإضافة لتحديد العقبات التي تعترض نيل هذا المطلب رسميا وتهدد كسب التعاطف مع القضية: نظام السعودية المستند للتقاليد الأسرية المحافظة التي لا تقبل استقلال البنت بحياتها.

ثانيا، هناك دور كبير لشجاعة هبة وقرارها بتحمل تبعات حملة تضامن إعلامية ستتعرض بسببها لاتهامات أخلاقية، وقرارها بخوض معركتها من زاوية حقوقية صارمة: حقي كمواطنة في العودة لبلدي، فقط لأنني أريد، كما كتبت في مدونتها. ورفضها التركيز على ظروف سيئة أو استثنائية لجلب التعاطف، رغم اضطرارها لذكر بعض التفاصيل تحت إلحاح الإعلام الذي يريد قصة أكثر إثارة وحيوية من قضية حقوقية تستند لحق قانوني مجمد في السياق الاجتماعي.

ثالثا، هناك الآلاف من شكاوى المصريين في الخارج يتململ الإعلام المؤسسي قبل النشر عنها. القاريء مل من هذه المظالم ولم يعد هناك ما يثيره في حالة بعينها بعدما تحول الأمر إلى مظلمة واحدة كبيرة لا تثير إلا الأسف على حال البلد وقيمة الإنسان فيه.
ما حدث إن الإعلام بالفعل تململ وتلكأ في نشر قضية هبة، إلا بعدما وجد في حملة الإعلام الشعبي- المدونات، فيس بوك، تويتر- قصة جذابة وجدلا مثارا بالفعل دوائره بدأت في الاتساع. وحضور ذلك واضح في عنوان مداخلة برنامج 90 دقيقة : تشتكي والدها عبر الفيس بوك وفي تفاصيل خبر المصري اليوم وفيديو موقعه.

رابعا، الإعلام الشعبي أكثر جرأة وحرية في إثارة القضايا التي تصطدم بالقيم التقليدية والأفكار السائدة متحررا من أجندات رأس المال أو معيار الجاذبية الجماهيرية التي تحدد خيارات الإعلام المؤسسي. ولكن هذا الأخير يمكنه متابعة الإعلام الشعبي والتعلل به أحيانا لإثارة مثل هذا النوع من القضايا، كما حدث في بدايات الاعتراف بوجود التحرش الجنسي.

خامسا، لا يمكن أبدا تجاهل أن الإعلام المؤسسي لا يزال صاحب التأثير الأكبر والقدرة الأكبر على طرح قضية على قطاعات أوسع من الرأي العام والضغط على المؤسسات الرسمية ومساءلتها. في قضية هبة كان لنشر المصري اليوم التاثير الأكبر في الضغط على أطراف القضية (الخارجية، السلطات السعودية، الإخوان المسلمين، وأسرة هبة) لكي يصل الأمر لاتفاق سريع وحل للمشكلة.

سادسا، تبعا للملاحظة الخامسة تبرز أهمية المساحات المخصصة في الإعلام المؤسسي لنقل أو عرض محتوى التدوين. فقد تكون هذه المساحات هي الجسور الأسرع لتفعيل حملة تضامن تبدأ في ساحة الصحافة الشعبية. وهو ما يمكن أن يكون مدخلا لإعادة النقاش حول التصلب في قضية الملكية الفكرية فيما يخص إعادة نشر محتوى من المدونات.

سابعا، ما يمكن قوله مختصرا "لا تحقرن من التضامن شيئا"، فما قدمه كل واحد ظانا أنه أضعف الإيمان كان جزءا من دائرة تتسع لتزيد من تأثير وقوة الحملة. حتى الذين كتبوا متشككين أو ومعترضين ساهموا في ذلك ووسط كثرتهم ازدادت الهالة على دائرة التضامن التي استفادت من النقاش والجدل لتبدو واضحة أكثر في خطابها وفي بلورة القضية بفضل كتابات مميزة وجريئة.

ثامنا، اتصال حملة التضامن بموضوعها يزيد من جديتها. كانت هبة في قلب حملة التضامن بشجاعة، رغم تبعات ذلك.
والتواصل معها أتاح لمتضامنين تقديم خدمات جانبية على الأرض كانت عظيمة الفائدة.

تاسعا، عندما أثارت حملة التضامن تغطية إعلامية نشطت جهات ومؤسسات كانت تتعامل مع الحالة باعتبارها صفحة في ملفاتها، ولكنها لم تعد كذلك بعد اقترابها من أن تكون قضية جدل عام.
التشبيك مع الجهات والمؤسسات ولكن عدم الاعتماد عليها بشكل كامل يساعد في تنشيط حركتها ومعاونتها. وفي قضية هبة، الجهات التي اهتمت بالأمر لفترات مختلفة بأقدار متفاوتة كانت تستعد للدخول على خط المعركة الإعلامية والقانونية التي نشطت من جديد لولا الانتهاء السريع للمشكلة.

عاشرا، في مثل هذه اللحظات تبرز أكثر أهمية وفاعلية كل الجهود التجميعية، سواء التي تهدف لتقوية تأثير التدوين مثل مجمع "العمرانية" الذي خصص واجهته طوال الحملة للتدوينات التي تناقش القضية، أو مجموعات الاهتمام المتعلقة بالأمر مثل مبادرة "كلنا ليلى"، التي شهدت مجموعتها البريدية النقاش والتحضير للحملة وساهم عدد كبير من أعضائها في الكتابة أو المساعدة بطرق مختلفة .

أخيرا، هذه اللحظة وغيرها تؤكد دائما على أهمية حركة 30 فبراير المباركة بكل أجنحتها المفتوحة والمنفتحة على كل المجموعات والمتقاطعة معها والمتغلغلة داخلها وداخل الإعلام المؤسسي والمجتمع المدني وكل شيء حي.

08 أغسطس 2009

يا له من نهار !


ألا يبدو غريبا، بل وغرائبيا، أن نبتهج بقرب حصول مواطنة على حق العودة إلى وطنها، وبنجاح أشخاص في استخراج بطاقة شخصية ؟!

ولكني سأفرح مع محمود درويش ، الذي لما تذكرته ذكّرني :

حين تبدو السماءُ رماديّةً

وأَرى وردة نَتَأَتْ فجأةً

من شقوق جدارْ

لا أقول : السماء رماديّةٌ

بل أطيل التفرُّس في وردةٍ

وأَقول لها : يا له من نهارْ !


03 أغسطس 2009

حق العودة .. إلى مصر !


قبل عدة سنوات تعرفت على مدونة هبة نجيب "منحدرات"، ولفت انتباهي ما كتبته عن ضيقها من أسلوب التربية في الأسر"المتشددة دينيا"، كما لفت انتباهي نبرة الحنين إلى الحياة في مصر.
كان ذلك منطقيا عندما عرفت منها أن أسرتها تركت مصر لتقيم في السعودية منذ 1983 وحتى الآن. ولكن منذ 3 سنوات تقريبا تخوض هبة معركة مستمرة من أجل حقها في العودة واستكمال حياتها في بلدها.
لا تحتاج مصرية تبلغ من العمر الآن 27 عاما أي مبررات لتحظى بحرية أن تختار مكان حياتها بدون أن يكون ذلك بالضرورة تبعا لرجل ما. هذا حقها وفق الدستور والقانون المصريين ولكن القانون السعودي ونظام الكفالة يجعلان أي امرأة هناك بشكل رسمي أسيرة ولي أمرها وكفيلها. وهذا جزء من مبررات هبة لخوض هذه المعركة، هي تشعر بما يشعر به كثيرون في هذا العالم، أن السعودية من أسوأ الأماكن التي يمكن أن تحيا بها النساء. بالإضافة إلى مبررات خاصة بها، فهي منذ فترة طويلة تعيش سوء تفاهم طويل مع والدها وأسرتها بسبب إعلانها عن اختلافها مع طريقة تفكيرهم وحياتهم وممارستها لبعض ما رأته حريتها أثناء تواجدها في مصر للدراسة الجامعية.

لم تذهب هبة بعيدا، فهي تقول أنها فقط ارتدت بدلا من الخمار حجابا عاديا مثل الذي ترتديه المصريات، وتستمتع للموسيقى وتكتب في مدونتها أنها تحب الأوبرا، ترفض طريقة معاملة النساء في السعودية وتنتقد خطاب الشيوخ السعوديين. ولكن ذلك بحسب ما تقول أدى إلى صدام عنيف بينها وبين والدها الذي ينتمي إلى جناح سلفي بالغ التشدد في الإخوان المسلمين، ووصل الأمر إلى الاعتداء البدني والاتهام بالردة لأنها تريد إسلاما "على طريقة الإمام محمد عبده" بحسب ما تنقله عن والدها.
طوال السنوات الثلاث حاولت هبة بأشكال مختلفة أن تجد طريقة للعودة إلى مصر، تقدمت بشكاوى وطلبات إلى القنصلية المصرية في جدة والسفارة في الرياض. وطلبت منهم استصدار جواز سفر جديد أو استلامه من الوالد، لتمارس حقها في الرجوع إلى مصر. الديبلوماسيون المصريون قالوا أن ذلك نظام السعودية ولوكان متعارضا مع حقا كمواطنة مصرية، القنصل السابق في جدة قال لها: "ما دام بتاكلي وتشربي عاوزة إيه؟ تنزلي مصر تصيعي ؟!" مع قنصل آخر تحسن الأمر وقال لها: "يجب أن تذهبي إلى طبيب نفسي!". هذا فضلا عن إهانتها من قبل بعض موظفي القنصلية واعتبارها "منحلة" لأنها تريد العودة إلى مصر والعيش وحدها.
طوال 3 سنوات واصلت هبة محاولات للعودة طرقت فيها كل الأبواب: محامين وحقوقيين، الخارجية المصرية وهيئات حقوق الإنسان السعودية والمصرية والعالمية، بل وطلبت وساطة بعض قيادات الإخوان المسلمين في مصر.
في النهاية، بعد مثابرة منها نجحت هبة في إجبار القنصلية على أن تستخرج لها وثيقة سفر مؤقتة بدلا من جواز السفر الذي يحتجزه والدها ولكن لكي تتمكن فعليا من السفر تلزم موافقة الوالد عليها، وتقول أن السلطات السعودية ألمحت لها أ- بعد مطالبتها المستمرة - أنه في حالة تقدم القنصلية المصرية بطلب رسمي بتمكينها من العودة لمصر يمكنها أن تعود بهذه الوثيقة المؤقتة ويتم تجاوز شرط موافقة الوالد. القنصلية المصرية لا زالت متمسكة بأن الأمر شأن عائلي رغم أن ما تطالب به حق قانوني ودستوري.

هي تعتقد أنها وصلت إلى نهاية الطريق وفشلت كل المحاولات القانونية والرسمية، وهي تطلب مساعدة كل المنظمات والأفراد في الضغط بكل أشكاله على الحكومة المصرية لمطالبتها بتمكينها من حقها كمواطنة مصرية. ولكي يكون ذلك عونا لها بجانب أنها تنوى رفع دعوى قضائية تختصم فيها الخارجية المصرية وتطالبها بالقيام بواجبها في رعاية حقوق المواطنين في الخارج.
قد يختلف البعض مع قرار هبة بترك أسرتها والعودة إلى مصر، ولكن أعتقد أن مثل هذه الأمور تسوى وديا داخل الأسر وللأفراد حرياتهم. ولا يوجد لا شرعا ولا قانونا ما يمنعها من ممارسة حقها في اختيار مكان حياتها والعودة لبلدها وهي البالغة الراشدة.


31 يوليو 2009

شويكار



السيدة
بوسعها ان تخفض رأسها
إذا ما قال لها الحبيب القديم على الهواء
"وحشتيني"
بعدما تخطت الستين بعقد ونصف.
تطرق برأسها
كيلا نلمح، نحن المشاهدين الأشرار،
الحيرة الممتزجة بالخجل
في عينيها،
لكن المخرج الشاب
يفسد اللحظة الفاتنة
بمشاهد الأبيض والأسود
حيث السيدة يافعة جدا
وجريئة
تعرف كيف تقول لحبيبها
"خذني"